فخر الدين الرازي

424

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

التقديم ما حكى اللّه تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله : قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ [ ص : 60 ] . فإن قيل : كيف تعلق هذا الكلام بما قبله ؟ . قلنا : نقل عن ابن عباس أنه قال : معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد ، والذي عندي فيه أن قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء ، كأنه قيل : هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث ، فاتوا حرثكم ، ولا تأتوا غير موضع الحرث ، فكان قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ دليلا على الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلما اشتملت الآية على الإذن في أحد الموضعين ، والمنع عن الموضع الآخر ، لا جرم قال : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ ثم أكده ثالثا بقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضا دال على تحريمه ، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين . أما قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فاعلم أن الكلام في التقوى قد تقدم ، والكلام في تفسير لقاء اللّه تعالى قد تقدم في قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ والمراد منه فعل الطاعات وثانيها : قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ والمراد منه ترك المحظورات وثالثها : قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وفيه إشارة إلى أني إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب ، فلو لا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثا وما أحسن هذا الترتيب ، ثم قال : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن / وهو أن يجعل مع كل وعيد وعدا والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهما كالمعلوم ، فصار كقوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [ الأحزاب : 47 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 224 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) الحكم التاسع في الأيمان والمفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية ، وأجود ما ذكروه وجهان الأول : وهو الذي ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو الأحسن أن قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ نهي عن الجراءة على اللّه بكثرة الحلف به ، لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل : قد جعلتني عرضة للومك ،